Scientific articles

 

دراسة حقلية على أعشاش النمل الأبيض

المجلة - العدد التاسع

دراسة حقلية على أعشاش النمل الأبيض

د. خالد محمد سعيد الغامدي

      إن إحدى عجائب خلق الله كائن حي يدعى "حشرة الأرضية" أو "دابة الأرض" ( White Termite ) النمل الأبيض .وقد سميت سورة كاملة في القرآن الكريم باسمه،ا وهي سورة "النمل", وورد بصفة خاصة في سورة "سبأ"( 14 ) حيث قال تعالى: (

( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين )

      "فـدابة الأرض" المقصود بها هنا حشرة النمل الأبيض، واسمها الأرضة، كما جاء في "مختصر تفسير إبن كثير" ( المجلد الثالث صفحة 124 )؛ فالأرضة تأكل العيدان ويقال لها القادح.

      فحشرة النمل الأبيض عُرفت بأنها إحدى أهم الحشرات الاجتماعية التي تعيش في
مستعمرات خاصة حيث تقضي معظم حياتها مختفية عن الضوء ؛فلذلك نجدها تتحرك داخل أنفاق طينية تصنعها الشغالات حيث توصل هذه الأنفاق النمل الأبيض إلى المصادر الغذائية . وتعتبر حشرات النمل الأبيض من أهم الآفات الحشرية المنتشرة في المناطق الاستوائية والمدارية ،وشبه المدارية والمناطق المعتدلة حيث تتميز بآحجام مختلفة وألوان باهتة، وأجزاء فم قارضة عند الشغالات والجنود؛ بحيث تكون بارزة العوالم عند الجنود، وتوجد العيون المركبة في الأفراد الخصبة . ويمكن تقسيم الأرضة بناءً على علاقتها بالتربة إلى مجموعتين:


المجموعة الأولى :


      مجموعة تنصيب الأخشاب الرطبة والجافة ( ما فوق التربة
) ( Damp Wood and Dry Wood Termites ): يعيش أفرادها دومًا فوق سطح الأرض حيث يتوفر لهم الماء والغذاء, ودومًا تعرف بأن لها آنفاقـًا طينية طويلة ومتشبعة على عوائلها الغذائية شكل( 1)

المجموعة الثانية : 

       مجموعة تعيش داخل
التربة ( تحت التربة ( Subtrranean Termites   يعيش أفرادها داخل التربة تحت سطح الأرض حيث الغذاء والماء،وترتبط بمستوى الماء الأرضي( Water Table )حيث تحرص هذه الأنواع على أن يكون غذاؤها مخزنًا داخل غرف أو مخازن خاصة بالمستعمرة ؛وذلك من أجل توفير المادة الغذائية اللازمة لحياة الأفراد. وتتميز هذه الأنواع بأن لها أعشاشًا أرضية فوق سطح الأرض تعتبر سمة لانتشار هذه الأنواع في البيئات المختلفة خصوصًا البيئات الصحراوية ( شكل2 ).

      إن الدراسات الحديثة
أوضحت أنه يعيش اليوم أكثر من آلفي نوع من حشرات النمل الأبيض في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، يستوطن أكثر من ( 90 % ) منها في المناطق الاستوائية، في حين لا نجدها في الدائرتين القطبيتين الشمالية والجنوبية ؛ففي المملكة العربية السعودية سجل انتشار( 18 ) نوعًا من الأرضة تتبع( 10 ) أجناس تنتمي إلى أربع فصائل من رتبة "متساويتا الأجنحة"( Isoptera ).

      تعيش الأرضة في مستعمرات ،كل مستعمرة عبارة عن عش أو عدة أعشاش
تكوِّن مجتمعًا واحدًا يشكل وحدة اجتماعية متكاملة؛ إذ تضم مستعمرة الأرضة عدة طوائف( Castes )تختلف فيما بينها بحسب الشكل والوظيفة والقدرة على التناسل؛ فالملكة تتربع على عرش المستعمرة، وملك له وظيفة تلقيح الملكة، ومن ثم متناسلون إضافيون يعوضون فقدان الملكة أو الملك عند ضعفهما أو موتهم، وتنتهي المستعمرة بالجنود الذين يتميزون بالقوة الجسدية والفكوك البارزة إلى الشغالات ذات الأجسام الصغيرة والفكوك والصغيرة والقوية؛ إذ يعزى إليها تغذية جميع أفراد المستعمرة.

دورة الحياة ( تكوين
المستعمرة ( LIFE CYCLE - COLONY FORMATION

      تبدأ دورة حياة المستعمرة عندما يقوم الملك بتلقيح الملكة ،ثم يلي ذلك أن تضع الملكة البيض حيث يتم احتضان البيض لمدة أسبوعين تحت إشراف الشغالات، وبعد التفقيس تظهر الحوريات اللاتي تتم تغذيتهن بالطعام الممضوغ بواسطة الشغالات لمدة أسبوعين،و تمر الحوريات بسلسلة من مراحل النمو قبل أن تنمو إلى إحدى الطبقات التالية :


• الشغالات من البيض
الملقح .

• الجنود من البيض غير الملقح
.

• المتناسلون الإضافيون
. وفي مواسم مناسبة ( بعد هطول الأمطار مثلاً ) ينطلق المتناسلون الإضافيون في حشود كبيرة خارج المستعمرة، ويختار كل طرف الطرف الآخر ليكونان معًا مستعمرة جديدة فيهما الملك والملكة( شكل:5 )

الأهمية الاقتصادية للنمل الأبيض :

      النمل إحدى أهم الآفات الحشرية
بنوعيها ( قاطنة التربة أو قاطنة المجموع الخضري ) .وعرف عن هذه الحشرات بأن لها أضرارًا جسيمة إذ تحدث خسائر فادحة من جراء تغذيتها على المواد السليولوزية للأخشاب, وسطوح المنازل الخشبية ,وجذوع الأشجار وجذورها, وأعمدة التليفونات والأثاث, والأقمشة والمفروشات, والخيش والموكيت, والورق والكرتون, والحبوب المخزونة.

      كما عرف عنها بأنها تتغذى على المادة النباتية الحية؛ إذ تلتهم في
الحقول والبساتين, والمراعي ومشاتل أشجار الزينة, والمحاصيل, مثل:الذرة الشامية والذرة الرفيعة والفول السوداني.

      وأيضًا الخضار والفلفل
الحلو والحار, والطماطم والباميا والباذنجان, وكثير من محاصيل الفواكه المختلفة. وبسبب هذه التغذية تتلف شغالات الأرضة القوة البنائية للخشب ( STRUCTURAL STRENGTH ) وتضعفها. ومن المفارقات المضحكة والمبكية أن صاحب الدار لا يراها إلا بعد أن يكون ضررها قد استفحل؛ وذلك بسبب سلوكها المتخفي الماكر.

      وتصل بعض الأحيان تكلفة
مكافحتها ملايين الدولارات ،وقد ثبت في بعض الإصابات أن التقديرات المادية لمكافحتها لا تصدق، بل إنها تفوق التكلفة الأساسية لتشييد المبنى.

النمل الأبيض والدور الإيجابي:

يظن الكثير من الناس يظن أن هذه
الدويبة لا هم لها إلا الهدم ؛والأمر ليس كذلك ؛فللأرضة دور هام ورسالة عظيمة تؤديها في الطبيعة ومن ذلك ما يلي:

1) فهي من الناحتين البيئية
( ECOLOGYY ) والإحيائية ( BIOLOGICAL ) تلعب دورًا هامًّا في دورة المادة العضوية ( ORGANIC OR NUTRIENT CYCLE ) ؛ فمن رحمة الله أن تتضافر الأرضة وكائنات أخرى لتتخلص من أكوام النفايات والمخلفات خاصة تلك التي تشتمل على مواد سليلوزية ،مثل :سعف النخيل والأخشاب والكرتون ؛فهي تحلل هذه المواد التالفة ،وتعيد عناصرها الأساسية إلى التربة مرة أخرى ؛مما يساعد في تقوية التربة وإثرائها بالمعادن والعناصر المعدنية الهامة.

2) في أثناء مهاجمة الأرضة للمواد السليلوزية داخل التربة من أخشاب
وجذور نباتية وجذوع الأشجار تحدث أنفاقًا وممرات ؛ومن ثم تساعد في تهوية التربة.

3) تحسن من الخواص؛ مما يساعد على التركيبة الميكانيكية للتربة
،وتيسر تخلل الماء داخل التربة.

4) تفسح المجال لدخول الديدان الإسطولنية
والفطريات والبكتريا إلى داخل التربة.

5) إن إفرازات الأرضة ونفاياتها تساهم
في تحسين الخواص الكيميائية للتربة.

استخدام اللغة الكيميائية داخل
المستعمرة( Sociochemicals of Termites


من أكثر الدراسات المعروفة في
استخدام اللغة الكيميائية داخل المستعمرة عرفت في الأنواع الأرضية التابعة لفصيلة ( Rhinotermitidae ) ؛ فقد عرف أن المكلة تفرز مادة كيميائية فرمونية( inhibitor pheromones )؛ لتجعل المستعمرة في حركة ذاتية حيث يتم فرز هذا الفرمون من غدد خاصة بالرأس أو الصدر ،ثم يتحرك وينتشر عبر القناة الهضمية ،ويخرج مع فتحة الأست( Anus ) حيث تستقبل هذه المادة الفرمونية مجموعة متخصصة من الشغالات تقوم بامتصاصه من فتحت الأست ،وتوزعه عبر فمها إلى فم أفراد المستعمرة لتخبر أفراد المستعمرة بأن الملكة ما زالت مهيمنة على المستعمرة، وأيضًا لها القدرة العالية على وضع البيض الذي يتراوح عدده من( 2000 )إلى( 3000 )بيضة في اليوم طوال فترة حياتها التي قد تستمر إلى سنوات طويلة تصل إلى عشر سنوات فأكثر ( شكل: 7،8 ).

أما الجنود فلهم القدرة
على إنتاج نوع آخر من المواد الفرمونية، ويسمى بـ"فرمون الإنذار المبكر"( Alarm Pheromones )،ويستجيب لهذا النوع من الفرمونات أفراد الجنود المستعمرة؛ وذلك للدفاع عن المستعمرة في حالة حدوث أي خطر يصيب هذه المستعمرة, ويفرز هذا الفرمون من غدة جربية موجودة في مقدمة الرأس.

أما الشغالات فلها
القدرة على إنتاج نوع من الفرمون يسمى بـ"فرمون التتابع"( Trial Pheromones )ويفرز من غدة موجودة على السطح البطني للجسم ( العقلة البطنية الرابعة أو الخامسة ) ؛بهدف الوصول إلى المصدر الغذائي، ونقله إلى المستعمرة.

دراسة حقلية لانتشار
النمل الأبيض بمحافظة جدة:

      من الدراسة الميدانية على أعشاش الأرضة الحاصدة
( Harvester termite )بمدينة جدة,والتي قمت بها في إشراف على ندوة بحث للطالب خالد مثيل الغامدي في قسم علوم الأحياء بجامعة الملك عبد العزيز بجدة _ تبين أن النمط البنائي لهذا النوع ( Anacanthotermes ochraceus )متمثل في معظم الأماكن الموبوءة ؛حيث لوحظ انتشار واسع لهذا النوع في الجزء الصحراوي من مدينة جدة ,والذي يمثله موقعين: أحدهما شمال محافظة جدة, والآخر بداخل الحرم الجامعي ,كما لوحظ أن الشكل العام لعش الأرضة الحاصدة يتخذ الشكل المخروطي ،ويتميز بأن له لونًا مغايرًا تمامًا للون تربة المنطقة ؛إذ يميل إلى اللون البني. وتكون تربته طرية تمامًا مع احتواء العش على نفق طيني يقع أعلى العش ممتدًً إلى داخل العش ( شكل:9 )، وتتميز هذه الأنفاق الطينية بأنها تحتوي على فتحات جانبية وعلوية مفتوحة أو مغلقة اعتمادًا على حاجة المستعمرة للحركة من الداخل إلى الخارج لجلب الغذاء ، بالإضافة إلى وجود بعض الفتحات الاحتياطية المغلقة, والتي تكون موجودة في الجزء السفلي من هذه الأنفاق.

      بعد إتمام عملية قياس
أطوال الأعشاش وأقطارها استخدم قانون قياس الأشكال المخروطية ( V = 1/3 rh )( Steward ) في كلا الموقعين ؛فتبين أن أحجام الأعشاش متقاربة بعضها من بعض مع تمييز أن بعض الأعشاش الجديدة تكون صغيرة الحجم لكن ما تلبث أن يزيد حجمها بعد إتمام تكوين العش ( جدول: 1،2 ). وقد تبين أن الأعشاش صغيرة الحجم لا تحتوي على أعداد كافية من الأفراد ؛مما يشير إلى أن هذه الأعشاش غير نشطة في بداية الأمر ،ولكن سرعان ما تلبث أن تزيد في بناء العش المخروطي متى كان هناك زيادة في أعداد أفراد المستعمرة وخصوصًا الشغالات، في حين أن الأعشاش كبيرة الحجم تكون نشطة ؛وذلك باحتوائها على أعداد كبيرة من أفراد المستعمرة متحركة داخل العش، حيث لوحظ ذلك بعد إجراء عملية هدم العش ومعرفة شكل النفق الطيني الممتد من أعلى العش إلى وسطه، والذي يحتوي على فتحات رئيسية وجانبية عديدة.

      وبعد إزالة العش لوحظ أن بعض
الأعشاش كبيرة الحجم تحتوي على عدد جيد من الفتحات الأرضية التي تكون متصلة تمامًا بالعش الذي هو في الواقع همزة الوصل بين السطح الخارجي والسكن الداخلي لأفراد المستعمرة يستفاد من هذه النتيجة في أنه عند إجراء عملية المكافحة والوقاية من هذا النوع من الحشرات يتم أولاً هدم الأعشاش الخاصة بالنمل الأبيض ؛لإحداث إرباك بين أفراد المستعمرة، وأيضًا الاستفادة من الفتحات الأرضية المشار إليها سابقـًا ,وذلك بأن يضخ خلالها أحد المبيدات الفعالة ضد أنواع النمل الأبيض الأرضي ,مثل Dursban 4tc ( Heptachlor-Dialdrin-Dursban ). ومن هذه الدراسة الحقلية تبين لنا أيضًا أن من أهم العوامل التي تساعد على نشاط بناء مستعمرات النمل الأبيض وأعشاشه احتواء المنطقة المحيطة بالأعشاش على أهم المصادر الغذائية التي تمكن شغالات المستعمرة من نقل الغذاء إلى داخل المستعمرة وهضمه ؛ومن ثم تزويد أفراد المستعمرة الآخرين بالمادة الغذائية اللازمة لنشاط المستعمرة ؛فمن طرق الوقاية الميكانيكية أولاً هدم الأعشاش( كما أشير إلى ذلك فيما سبق ), وإزالة كل المخلفات أو المصادر الغذائية المحيطة بالأعشاش لإقلال التغذية؛ ومن ثم إجراء عملية المكافحة الكيميائية بطرق محكمة مع الأخذ بالاعتبار عدم احتوائها على أثر باقٍ عالٍ بهدف الإقلال من تلوث التربة.

      خلاصة هذا البحث أنه عندما نهتم بمعرفة مدى انتشار الأرضة الحاصدة،
تلك الآفة الخفية الماكرة ،والتي قل أن نراها أمام أعيننا، فإن علينا معرفة مظهر الإصابة أولاً,مع ملاحظة وجود الأنفاق الطينية الممتدة من تحت سطح الأرض إلى أعلاه متصلة بالمادة الغذائية سواء كانت محاصيل زراعية أو أعشاب وحشائش أو مخلفات الأخشاب من المباني المزينة بالأخشاب إلى غير ذلك؛ فإذا لوحظ مثل هذه الملاحظات فيجب الإسراع في إجراء عملية الوقاية الميكانيكية والكيميائية قبل استفحال الإصابة بهذا النوع من الحشرات.

 http://www.eajaz.org/Arabic/?option=com_content&view=article&id=561&catid=67:9

الحشرات جند من أجناد الله

 

المجلة - العدد الثامن والعشرون

د. عبدالوهاب عبدالمقصود إبراهيم

     حقــــــق الإنســــان في القــــرن الأخير تقدما علميا باهرا وتفوقا تكنولوجيا ظاهرا،       مكنه من بسط سلطانه وفرض سيطرته على كافة أرجاء المعمورة واستخراج ثرواتها الظاهرة و الكامنة ثم استغلالها لتحقيق أمنه ورفاهيته، فها هو ذا يرسل السفن الفضائية والأقمار الاصطناعية، التى تجوب الكون، تسبر أغواره، وتستكشف أسراره، ها هو ذا يجلس متكئا على أريكته في قعر بيته، وبلمسة من أصبعه على جهاز التحكم عن بعد يرى ما يشاء، ويسمع ويتحدث ويتواصل مع من يشاء، وينعم بالدفء في البرد القارص وينعم بالنسيم البارد في الحر القائظ، ويغسل ثيابه ويفتح أبوابه....

وعلى الرغم من نجاح الإنسان الباهر في ترويض الوحوش الكاسرة والقضاء على الكثير من الأمراض الفتاكة، على الرغم من كل ذلك وقف هذا الإنسان بلا حول ولا قوة أمام الحشرات. كائنات صغيرة الحجم، لا تعرف الكسل ولا يصيبها الملل أو الوهن، تجوب العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، دون أن تعترف بحدود إقليمية ولا تعبأ بموانع أو سدود أو جنسيات، منها ما يقطن الفيافي والقفار ومنها ما يمخر عباب عذب الأنهار وأجاج البحار.


ومنها ما يمتطي ظهر الريح متى شاء وأنى شاء، ومنها ما يدب على سطح الأرض، ومنها ما يلج في باطنها، تجدها في السهول المنبسطة وعلى قمم الجبال الشاهقة وفى باطن الكهوف المظلمة، منها ما يسكن الحدائق الغناء بين الورود والرياحين ومنها ما يعيش في القبور المظلمة يقتات على جيف الإنسان والحيوان، ومنها ما يعيش في أنفاق داخل النباتات والأشجار ومنها ما يستطيع العيش في المناطق الشديدة البرودة، فقد وجد العلماء أكثر من 300 نوع منها في القطب الشمالي، ومنها ما يعيش في صحراء قاحلة مثل بعض مناطق الصحراء الليبية التي قد تجاوز درجة الحرارة فيها 60 درجة مئوية، كما وجد العديد من أنواعها في عيون المياه الحارة، بل وبرك النفط!! بل ووجدت منها بعض الأنواع التي تعيش بصفة دائمة على سطح الماء في المحيطات.

لقد فاقت تلك الكائنات جميع المخلوقات في عدد أنواعها، إذ فاقت أنواعها المليون، وهي تمثل 76% من المجموع الكلي للملكة الحيوانية و51% من جميع أنواع الكائنات الحية. توشك أن تنظر إلى السماء وتخاطب الماء الذي في السحاب قائلة له: شرق أو غرب فإن لي من الخير الذي تفيض به نصيب. ولاشك أن هذا النجاح الساحق لهذه المجموعة من الكائنات وانتشارها الكبير له أسباب عديدة، فهي صغيرة الحجم، قليل من الغذاء يكفيها وشق صغير في الأرض يأويها، لها هيكل أقوى من العظام وعضلات مفتولة تستطيع بها أن تحمل أو تجر عشرات أضعاف وزنها،فهى بلا جدال بطلة العالم في حمل الأثقال وجر الأحمال، وتقفز للأعلى والأمام عشرات بل مئات أضعاف طولها، فهي بلا غرو بطلة العالم في الوثب العالي والطويل.

فإذا كان بطل العالم في الوثب العالي يقفز لارتفاع لا يتجاوز مثلي طوله، فإن البرغوث الذي يبلغ طول رجله 1.3 مم يقفز لارتفاع قد يصل إلى 21 سم ولمسافة قد تصل إلى 34 سم، وإذا أراد الإنسان أن يجارى هذا البرغوث في البطولة فعليه أن يقفز لارتفاع 450 قدم ولمسافة 700 قدم، وأنى له أن يفعل. وتستطيع الخنفساء أن تسحب ثقلا يعادل ثقل جسمها 120 مرة، ولكي يبلغ إنسانا يزن 75 كيلوجرام شأوها فعليه أن يسحب ثقلا يبلغ 9 أطنان، وأنى له ذلك. لقد وهب الله هذه الكائنات قدرة فائقة على التكاثر وتحمل المشاق والصعاب....
وللكثير منها القدرة على الطيران الذي يساعدها في البحث عن الغذاء والهرب من الأعداء، ويمكنها من الوصول إلى الجنس الآخر في الوقت والمكان المناسب لإتمام التزاوج كما يساعدها في إيجاد المكان المناسب لوضع البيض. وتتميز هذه الكائنات بعناد شديد يمكنها دائما من الحصول على ما تريد وقتما تريد، والذباب خير مثال على ذلك، فقد اشتق اسمه من كونه إذا ذب عن الشئ آب.

وللحشرات قدرة كبيرة على التخفي والمحاكاة، فبعضها يتلون بلون البيئة التي يعيش فيها، فلا يمكن للأعداء تمييزه عنها، وبعضها يتلون بألوان بعض الحشرات السامة، فيفزع منها الأعداء ويرهبون جنابها.

وتمر الحشرات خلال حياتها بتغير كبير في الشكل، يسمى التحول، فمن يصدق أن الفراشات الرقيقة ذات الألوان البديعة، التي تكتفي بقليل من رحيق الأزهار كانت يوما بيوضا صغيرة لاتكاد تدركها العين ثم أصبحت ديدان شرهة تجول بين أوراق الأشجار فتقضي عليها، ثم تصبح عذارى لا تأكل ولا تتحرك يحسبها الرائي جمادا لاحياة فيه وهي تموج أثناء تحولها بتغيرات رهيبة فيتحول فمها من فم قارض إلى خرطوم لامتصاص رحيق الأزهار، ويتكون لها أجنحة وأعضاء تناسل، والعديد من التغيرات في الشكل والتركيب، ومن يصدق أن البعوض الذي يمتص الدماء ويطير في الهواء كان يوما دودة تسبح في الماء، ومن يصدق أن الذباب الذي لا يتغذي إلا على حلو الشراب وتعشق الضوء كان يوما ديدانا صغيرة تأكل القمامة والروث ولا تطيق أن ترى بصيص النور.

عجبا لهذه الكائنات التى صارعت الإنسان وناوءته على مر الزمان، كم سببت من أضرار، وكم دمرت من مساكن، وكم أتلفت من أثاث، وكم قضت على حضارات. إنها تهاجم الزرع، تأكل جذوره وتنخر بذوره وتحفر سوقه و تقرض أوراقه، وتمتص عصاراته و تعيث فسادا في ثماره، إنها لا تكتفي باتخاذ الزرع غذاء ومأوى لها ولصغارها بل تضع فيه وعليه بيوضها وتنقل إليه الكثير من الأمراض البكتيرية والفيروسية والفطرية المهلكة. تلك الكائنات الصغيرة تحمل في جعبتها وعلى ضآلة شأنها الدمار الماحق للإنسان وحيواناته الأليفة، فبعض الحشرات تنقل مسببات العديد من الأمراض الفتاكة التى عاقت وما تزال تعوق تقدم الجنس البشرى في مناطق شاسعة من العالم.

هذه ذبابة التسي تسي، إنها ليست أكثر من ذبابة ولكن اسمها يوحى لأكثر من نصف سكان إفريقيا بكابوس ثقيل يهدد حياتهم ويقضي على ماشيتهم بما تحمله من كائنات مجهرية تسبب مرض النوم القاتل، ففي مناطق السافانا المنتشرة في جنوب الصحراء الكبرى تهدد التسي تسي حياة أكثر من خمسين مليون أفريقى ينتمون لثماني وثلاثون دولة بالإضافة إلى مئات الملايين من الأبقار والأغنام والخيول. ويقال إن هذه الذبابة وقفت منذ حوالى ألف عام عائقا أمام المد الإسلامي في إفريقيا بعد أن قتلت الكثير من الدواب التى يمتطيها الدعاة ومعلمي الناس الخير عند وصولهم لتخوم المناطق الموبؤة.

وهذه البعوضة، مخلوق صغير الحجم، عظيم القدر، بالغ الضر على من سلطها الله عليه من العباد، ورغم صغر حجمها وضآلة شأنها فإن الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناحها، ولو كانت الدنيا تساوى عند الله جناحها ما سقى الكافر منها شربة ماء ولذلك ضرب الله بها المثل في كتابه الحكيم قال الله تعالى :  (إن اللهَ لا يَسْتَحى أن يَضَربَ مَثلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوقَهَا فأما الَّذيَنَ امَنُوا فَيَعْلمُونَ اَنَّهُ اْلَحُق مِنْ رَبّهِم وأما الَّذيَن كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أراد اللهُ بِهذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهدِى بِه كَثيراً وَمَا يُضِلُّ ِبِه إلا الفَاسِقيَن) (البقرة: 26). 

إن البعوض ليس إلا كتيبة من الجنود التي زودت إناثها بالأسلحة والمعدات وأجهزة الاستشعار عن بعد ومناظير الرؤية الليلية التي تمكنها من الاهتداء لعائلها ومص دمائه دون خلل أو فشل. إن أنثى البعوضة وفي الظلام الدامس تهتدي لهدفها بواسطة درجة الحرارة المنبعثة من بدنه وشم رائحة جسده وأنفاسه المميزة ثم تتخير مكان من الجلد غني بالأوردة الدموية، ثم وبخفة ومهارة ودقة بالغة تقوم بثقب الجلد بواسطة عدد من الإبر المسننة، ثم تقوم بإفراز مواد لعابية تحمل إنزيمات تمنع تخثر الدم وتعمل على سيولته وتزيد من توارده لمكان الثقب، وهنا تبدأ عملية مص الدماء. ولا تقتصر المشكلة على ما يسببه لدغ البعوض من حكة أو سلب دماء ولكن وأثناء صب اللعاب المانع لتخثر الدم، تنتقل العديد من مسببات الأمراض المهلكة للإنسان مثل الملاريا والفلاريا وحمى الوادي المتصدع وحمى الضنك وحمى غرب النيل والحمى الصفراء.

وهناك جيوش أخرى من مصاصي الدماء مثل البراغيث التي تنقل مرض الطاعون والقمل الذي ينقل مرض التيفوس وذباب الرمل الذي ينقل مرض اللشمانيا.  ألم تر كيف سلط الله بعض الحشرات لتصب العذاب على بعض المعرضين من عباده، ألم تر إلى النمروذ الذى حاج نبى الله إبراهيم عليه السلام في ربه وادعى أنه يحى ويميت فسلط الله عليه حشرة صغيرة فدلفت إلى رأسه تسومه سوء العذاب، فكان أكرم الناس عليه من يضربه بالنعال على رأسه. قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ  رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)(المدثر: 31)

وهاهو الجراد، يزحف بجيوشه إلى من شاء الله من خلق الله في أسراب وحشود منظمة تثير الرعب والفزع والذعر في قلوب المزارعين والمختصين، إنها تطير في تنظيم عجيب وسرب مهيب وتحط على كل أخضر خصيب فتحيله إلى صعيد، إن  الجراد يطير لمسافات بعيدة، وبلا توقف فها هي أسرابه تعبر البحر الأحمر بانتظام (حوالي 300 كم) وقد تقطع الجرادة الواحدة 500 كيلومتر في اليوم الواحد، دون أن تحتاج للتوقف لملأ خزانات وقودها، وذلك بما لديها من قدرة عضلية تمكنها من الرفرفة بالجناحين لمدة تصل إلى ستة عشر ساعة في اليوم، فمن الذي أمدها بكل هذه الطاقة اللازمة لبذل هذا الجهد بلا توقف، إن جيوش الجراد الجرارة وغير العاقلة تتصرف بطريقة دقيقة في التجمع والتوجيه والحل والترحال، وكيف لا وهي من جيوش الحق وجنود الملك سبحانه وتعالى وصدق الله العظيم القائل: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) (الأعراف: 133).

إن الجرادة الصغيرة غير الناضجة تأكل قدر وزنها من النباتات الخضراء فإذا كانت هذه الحشرة تزن جرامين وإذا كانت جموع الجراد في بعض الأسراب تصل إلى 8 مليار جرادة، تزن حوالى 16000 طن فإنها تأكل في اليوم الواحد مايطعم 2.4 مليون رجل (من إحصائيات منظمة الأغذية والزراعه المسماة اختصارا باسم الفاو). وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن استخدام القوة المفرطة من الرش بالمبيدات واستخدام الطائرات قادر على صد جيوش الجراد الجرارة، ولكن أنى له ذلك والجراد دائما يختار وقت ومكان المعركة ودون سابق إنذار، ثم إن ما يسلطه الإنسان على الجراد من مبيدات يرتد إليه في صورة ملوثات تهلكه وتفسد زرعة وضرعه.

وإذا أردت أن تعرف الأثر المدمر لبعض تلك الكائنات فانظر إلى حشرات الحبوب المخزونة التي تأكل مايقرب من ثلث إنتاج العالم من الحبوب في الوقت الذي لا يجد فيه الملايين من البشر، وفى عصر التصحر والجفاف ما يسد رمقهم. وانظر إلى الأرضة (دابة الأرض)، أو ما يطلق عليه البعض النمل الأبيض، التي تحيل البيوت العامرة إلى أطلال خربة.

وكما أن هناك جنودا من الحشرات تفتك بمن شاء الله من العباد، هناك من الجنود ما يحمل الخير، كل الخير لبني الإنسان. لقد لخص الأمام على كرم الله وجهه حقيقة هذه الدنيا عندما قال محقرا من شأنها (خير طعام بن آدم من رجيع نحلة (يقصد العسل) وخير لباسه من لعاب دودة (يقصد الحرير الذي تصنعه دودة القز)، أليس من العجب أن يكون أفخر لباس يزهو به بني آدم وأعظم طعام ودواء لبني آدم من صنع الحشرات.

لقد أوحى الله إلى النحل فلبى أمر ربه فبنى بيوتا يضرب بها المثل في دقة التصميم وسرعة التنفيذ وسلك سبل ربه فأخرج شرابا فيه شفاء للناس، وقد ظن البعض أن خير النحل مقصور على ما يصنعه من العسل وأغفلوا الفوائد الجمة لما ينتجه النحل من غذاء ملكي، وسم، وعكبر وما يجمعه من حبوب اللقاح. والعجيب أن كل هذا الخير لا يقارن بالمكاسب الضخمة التي يجنيها المزارعون من تلقيح النحل لزروعهم ورفع انتاجها من الثمار أَضعاف المرات.

ومنذ قديم الأزل وعى الإنسان أخطار هذه الحشرات ومضارها، فلم يهادنها، بل حاربها بكل ما تفتق عنه الذهن من وسائل وأنشأ من أجل ذلك المعاهد العلمية ومراكز الأبحاث، عله يفلح في القضاء عليها أو الحد من أخطارها، ولكنه وياللحسرة لم يفرق في حربه لها بين العدو منها والصديق، بين من يقدم له الغذاء ومن يدمر له الغذاء، بين من يلقح له النبات ومن يدمر له النبات، بين من يقدم له الشفاء والدواء ومن يصيبه بالداء، من يقدم له الحرير وهو أجمل وأنعم أنواع الكساء ومن يدمر له الرياش والكساء. فكان أن ارتدت أسلحة الإنسان إلى نحره وأصبح تدبيره تدميره فوقف حائرا مقهورا، فبعد أن أنفق المليارات من الدولارات وأفنى الوقت والجهد والعتاد في الحرب مع الحشرات بعد أن صور له خياله المريض ونهمه الجشع أنه سينعم بالسعادة والرفاهية إن هو أفناها، فأسرف في استخدام المبيدات ثم أفاق
ولكن متى أفاق؟
    لقد أفاق بعد أن غزت سموم المبيدات كبده وكليتيه وقلبه وسائر بدنه وأفسدت     زرعه
 وأهلكت ضرعه، وزاد من حسرته أن الحشرات خرجت من هذه المعركة ظافرة، وفى كل مرة بعدما ينقشع غبار مبيداته، تلملم شتاتها وتنظم صفوفها ثم تهز قرون استشعارها وتمضى في سبيلها تنتظر ما يفعل الله بها، أليست خلقا من مخلوقاته وجندا من أجناده.

 

 
Make a Free Website with Yola.